ابن كثير

142

البداية والنهاية

الشرفات فهبت الريح فألقتهم إليهم ، فإذا طول الرجل منهم شبر أو نصف شبر . والله أعلم . قال الواقدي : وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة ، من بلاد الروم ، وكان معه حماد والصحابة فسار وغنم ورجع سالما . وفيها ولد يزيد بن معاوية ، وعبد الملك بن مروان . وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد ، هم الذين كانوا في السنة قبلها . وذكر أن عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا : لا يحسن السياسة ، فعزله وولى أبا موسى الأشعري ، فقال أهل الكوفة : لا نريده ، وشكوا من غلامه فقال : دعوني حتى أنظر في أمري ، وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكر من يولي . فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له : إن هذا الامر عظيم يا أمير المؤمنين ، الذي بلغ بك هذا . قال : وكيف وأهل الكوفة مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير . ثم جمع الصحابة واستشارهم ، هل يولي عليهم قويا مشددا أو ضعيفا مسلما ؟ فقال له المغيرة بن شعبة : يا أمير المؤمنين ، إن القوي لك وللمسلمين وتشديده لنفسه ، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه . فقال عمر للمغيرة - واستحسن ما قال له - : اذهب فقد وليتك الكوفة . فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه ، والعلم عند الله عز وجل . وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة [ فقيل لعمار : أساءك العزل ؟ فقال : والله ما سرتني الولاية ، ولقد ساءني العزل . وفي رواية أن الذي سأله عن ذلك عمر رضي الله عنه ، ثم أراد عمر أن يبعث سعد بن أبي وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعاجلته المنية في سنة ثلاث وعشرين على ما سيأتي بيانه ، ولهذا أوصى لسعد به . قال الواقدي : وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس بلاد خراسان ، وقصد البلد الذي فيه يزدجرد ملك الفرس . قال ابن جرير : وزعم سيف أن هذا كان في سنة ثماني عشرة . قلت : والأول هو المشهور والله أعلم . قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه ، وداره مقره ، وإيوان سلطانه ، وبساط مشورته وحواصله ، تحول من هناك إلى حلوان ، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول إلى الري ، وأخذ المسلمون حلوان ثم أخذت الري ، فتحول منها إلى أصبهان ( 1 ) ، فأخذت أصبهان ، فسار

--> ( 1 ) أصبهان : في التاج ( أصص ) : " أصبهان أصله أصت بهان أي سمنت المليحة ، سميت لحسن هوائها وعذوبة مائها وكثرة فواكهها فخففت . والصواب أنها أعجمية وقد تكسر همزتها وقد تبدل باؤها فاء فيهما ، وأصلها اسباهان أي الأجناد لأنهم كانوا سكانها . . . الخ " .